Monday, 11 November 2013

قصة قصيرة : زقاق

"إنه مطر .. إنه مطر"
يصرخ خليفة و هو يجري تجاه منزله بعد أن ابتلت ملابسه من اللعب تحت المطر ، يسرع نحو منزله الواقع في نهاية الزقاق الضيق الرملي ، الأرض لم تعد رملية بعد هذا المطر الغزير ، أصبحت طينية مزعجة ، لكن خليفة سعيد اليوم في هذا المساء الممطر ، إنها أمطار نادرة في هذه الصحراء فلهذا تجد من المعتاد أن يحب الناس المطر رغم أنها ُتغرق مدينتهم في اليوم التالي ...
وصل خليفة إلى منزله سريعا ، دخل سعيد يصرخ "إنه مطر" ، سرعان ما استوقفته أمه لتصرخ عليه "لا تدخل بحذائك لقد نظفت المنزل للتو" ، الأم سعيدة بالأمطار و لكن شوارع بيتها الطينية تُنهكها دائما ، فالطين عادة ما يعلق في الأحذية و الملابس ، و لكن حتى إنهاكها لا يجعلها تكره المطر ، إنها فقط تكره حياتها و شوارع بيتها

"اخليفة ، اخليفة" ينادي محمد جاره خليفة للذهاب للمدرسة معا ، خليفة يكره أن يُنطق اسمه بهذه الطريقة و يفضل خَلِيفَة ، و لكن هذا شيء لا يحصده عادة
خليفة يكره أيضا شوارعه كأمه ، يكره هذه الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة الطعام ظهرا ، في تلك الساعات حين تختلط رائحة طبخ كل المنازل الملتصقة ببعضها ، فتصبح الرائحة مقززة و المنطقة مكان ليس من المناسب الوجود فيه ، خليفة يكره أيضا الصباح التالي للمطر عندما تغرق شوارع منطقته في الطين و الماء ، فيصبح السير فيها مزعجا و الركض فيها مستحيلا
هو أيضا يكره حياته هنا ، يكره بشدة الملل الذي يصيبه كل مساء ، يكره أنه لا يستطيع الإستماع للموسيقى متى أراد ، يكره اسمه أيضا ، لم يكرهه في السابق لكنه يفعل الأن منذ أن بدأ الجميع بمناداته اخليفة ، دائما ما يخبرهم ألا ينادوه هكذا و لكنهم لا يستمعون له
فرحة المطر مستمرة رغم أن أثارها سيئة ، هكذا تمضي الأيام الممطرة على ليبيا ، صحراء تنزل عليها أمطار ، و كأنه حلم تحقق ، و لكن هذا الحلم سرعان ما يتحول لكابوس اليوم التالي
لازال خليفة سعيدا بالمطر ، إنها إحدى الأشياء الصغيرة التي تسعده في هذه الهاوية ، لكنه يكره أن يسكن في فشلوم وسط هذه الأزقة الضيقة ، يتجنب الخروج من المنزل في هذه الأيام و لكن الملل يقتله إن لم يفعل
يشعر بالتناقض في نفسه ، حبه للمطر و كرهه لأثارها ، يتمنى المطر و لكنه يفكر طويلا قبل أن يتمناها ، يتمنر أن يغادر يوما دون عودة ، يغادر فشلوم ، يغادر طرابلس و يغادر ليبيا ، إلى مكان بارد و ممطر و لكن لا طين فيه ، فقط الحياة هناك ، هناك حيث سيحيا كإنسان يُلقبونه خَلِيفة

Sunday, 3 November 2013

في مدينتي

مدينتي تفوح رائحتها بالدماء ، يقولون دماء مباركة و أنها دماء شهداء ، كنتُ أصدق ذلك و لكن ليس بعد الأن
مدينتي لم تعد كما كانت مجرد خراب ، اليوم هي خراب ملطخ بالدماء ، خراب غارق في الكذب و الإدّعاء
أحب مدينتي رغم كرهي لحياتي فيها ، أحب دولتي رغم عدم احتمالي لوجودي فيها ، و أحب شعبي رغم أنني أكره كل ما يفعلون
مرتبطة بهذه الأرض أكثر مما أرغب ، و بهذه المدينة أكثر مما أحب
لطالما كانت مدينتي خرابا ، و لكنها كانت خرابا مقبولا ، كانت مكانا تستطيع العيش فيه و الضحك فيه من قلبك و أن تستمع فيه للموسيقى براحتك ، كانت مدينتي مليئة بصوت لعب الأطفال و ضحكاتهم ، كانت تفوح منها رائحة البحر الذي تُطل عليه ، كانت مكانا يمكن العيش فيه بطريقة مسالمة 
مدينتي اليوم مختلفة ، سنة 2011 غيرتها ، حولتها لساحة حرب ، لم تعد هناك موسيقى في شوارعها ، فالموسيقى أصبحت محرمة ، لم نعد نرى الأطفال يلعبون و يضحكون ، فكل منهم استبدل أصدقاء طفولته بأيفون و أيباد ، ، لم نعد نسمع سوى أصوات الرصاص و الألعاب النارية ، أصبح الرصاص موسيقانا المزعجة التي نرقص عليها ، أصبح الرصاص صديقنا المفضل الذي ننام و نستيقظ على صوته ، أصبح البارود و الدم الرائحة المفضلة لنا ، الرائحة التي علقت بأجسادنا ، أجسادنا تبكي و روحنا تصرخ و لكننا لا نسمع سوى صوت الرصاص و نتساءل : من ستختار الرصاصة في المرة القادمة ؟ و أن نتمنى أن تأتي رصاصتنا عاجلا قبل أجلا

كان الموت يوما شيئا مهما ، أما اليوم فنسمع خبر موت فلان و نتساءل فقط هل هي رصاصة من أخيه أو أبيه أو ابنه ؟ هل مات في حادث سيارة و هو يهرب من محاولة قتل ؟ 
قبل أسابيع مات 3 شباب ، مراهقون بالأحرى ، كانوا في سيارة عندما دهستهم حافلة ، كان طريقا سريعا و كان هؤلاء الشباب يتحرشون بالفتيات في سيارة أخرى ، حتى أنهم صدموا السيارة التي كانت تسير بسرعة 100 كيلو متر ، فقدت الفتاة السيطرة على السيارة و فقد المراهق أيضا أما الحافلة فقد أتت فجأة لتصدم سيارة المراهقين ، الفتيات كنّ في حالة خطيرة في المشفى ، لا أعرف مصيرهن و لكنني أرجح أنهن توفين جميعا
الموت شيء طبيعي و هو جزء من الحياة ، لكن الموت طغى على مدينتي ، أصبح الموت هو الحدث الرئيسي بها و هو ما يدور حوله   شيء ، مدينتي أصبحت تفوح بجثث القتلى المتعفنة و بأصوات الرصاص القاتل و شوارعها أصبحت مغطاة بدماء أبنائها
في مدينتي نحن خبراء أسلحة ، في مدينتي نميز بين أصوات الأسلحة ، في مدينتي ننام على صوت الرصاص الذي لا يتوقف أبدا ، في مدينتي فقدنا الشعور بالحياة و فقدنا الأمل و كل ما بقي منا ينتظر رصاصته المقدسة لتصيبه ، إنه الرمق الأخير من الأمل


Saturday, 2 November 2013

يا لها من إجابة ..

في لقاء ملالا يوسف مع جون ستيوارت في أحد البرامج الأمريكية ، سألها جون ستيوارت عن ردّة فعلها عندما علِمت أن طالبان يريدون قتلها !
 تساءلت ملالا بعدما علمت أن طالبان يريدون قتلها عمّا ستفعله لو جاء أحدهم ليقتلها ، في البداية قالت أنها ستأخذ حذاءها و ترميه عليه ، ولكن كما تقول ملالا حينها فكرت أنها إن فعلت ذلك فلن يكون هناك فرق بينها و بين طالبان و أنها لا يجب أن تعامل الأخرين بخشونة و وحشية و أنها لابد أن تقاتل الأخرين و لكن بسلام ، ثم ستحدثه عن أهمية التعليم و أنها تريد التعليم للجميع ثم ستقول له افعل ما تريد ..
هذا باختصار ما قالته ملالا ، ردّة فعلي الأولى كانت الإنبهار كما هي ردّة فعل جون ستيوارت و العديدون ، انبهار مترافق مع إعجاب و تقدير كبير لهذه الإجابة ، و لكن سرعان ما تغير رأيي
أنا لا زلتُ معجبة و منبهرة بالإجابة لأن ملالا فكرت يوما في التعامل هكذا مع شخص قادم لقتلها ، و لكن هذا الإعجاب لم يعد كبيرا كما كان ، تبدو إجابتها كأحد فصول رواية رومانسية رديئة ، لا يمكن على الإطلاق أن تُصدق و لا أن تُنفذ على الواقع ، إذا جاء طالبان لقتلها لن يمنحوها حتى الوقت لإلتقاط حذائها و رميه عليهم فكيف بأن يسمحوا لها بالتكلم معهم
السلام الذي تتحدث عنه ملالا غير موجود ، السلام سيكون موجودا عندما يتوقف أحدهم عن مهاجمة الأخر فقط لأنه مختلف ، ملالا مختلفة لهذا هاجمها طالبان ، السلام هو أن لا تهاجم أحد أخر لا أن تتوقف عن الدفاع عن نفسك
ما غفلت عنه ملالا أنها ليست مثلهم إذا رمتهم بالحذاء و هربت ، فهذا دفاع عن النفس و هذا ليس خرقا لأي سلام ، خصوصا ذلك السلام الغير الموجود
أنا لو كنتُ مكانها كنتُ لأرميهم بكل شيء يمكنني رميهم به ، كنتُ لأقتل أحدهم لأعيش ، و لم أكن لأرضى أن أموت دون قتال على يد إرهابي و قاتل ، و لكنني لست مكانها فهي تلك المراهقة التي وقفت ضد طالبان ، ذلك التنظيم الإرهابي المتشدد الذي يقتل الناس و يحرمهم من أبسط حقوقهم ، لكن كل هذا لا يجعل إجابتها منطقية و لا سليمة يجعلها فحسب إجابة محاطة بقدر من الزهو و الجمال ، كالنهاية السعيدة في إحدى الروايات
أراهن أن الجميع تخيل أن هذا الرجل سيستمع إلى ملالا و سيقتنع بكلامها و سيحميها ، أمر يدفعني للإبتسام أن يتخيل الناس هذه النهايات السعيدة رغم كل البؤس حولهم ، إجابة ملالا هي النهاية السعيدة لقصة سندريلا و بقائها سعيدة للأبد مع أميرها الفاتن\


وهم السعادة الأبدية و السلام الدائم و انتصار الإنسانية و المثالية البشرية يتمثل في إجابة ملالا الجميلة ، و يا لها من إجابة ..

Wednesday, 30 October 2013

قصص الطفولة : أشرف و هناء

طبيعي جدا أن تشتاق لطفولتك فهي أحلى سنوات العمر لأنها ببساطة كانت تسير دون إدراك منا ، كانت بريئة و جميلة و هذا ما نفقده مع العمر
بعض الأحداث من الطفولة تبدو خيالية و هذه قصة لا يمكنني تأكيد إن كانت حقيقة أم هي من نسج خيالي الطفولي بل ربما حتى من نسج خيالي و أنا في هذا العمر و لكنها قصة أؤمن بوجودها و إن كنت لابد أن أضفت فيها فجعلتها درامية 

تحدث القصة داخل أحد عمارات زاوية الدهماني
كان هناك "أشرف" الذي يسكن في الطابق الأول من العمارة ، كان شابا وسيما و ربما الأكثر وسامة بين سكان 32 شقة في هذا المبنى ، كان طويل القامة و رياضي و أبيض البشرة و كان شخصا نشطا للغاية 
و كانت هناك "هناء" تقطن في أحد شقق الطابق السابع ، كانت جميلة أيضا و هي الأجمل بالتأكيد بين فتيات هذا المبنى و كان تملك عيونا زرقاء جميلة
كانت توجد علاقة بين أشرف و هناء _كما أذكر أو كما أتخيل_ و كنت دائما أعتقد أنهما سيتزوجان بعد تخرج هناء

فجأة اختفى أشرف لفترة و كذلك هناء ، عاد أشرف بعد فترة في كرسي متحرك ثم بعد فترة تمكن من المشي بالعكاز و هذا أخر ما أعرفه عن تحسن أشرف ، أنه تمكن من المشي بالعكاز
أشرف كان مصابا بورم دماغي ، ليس سرطانا و لكن هذا الورم سبب له شلل نصفي بحيث لم يعد يستطيع استخدام أحد نصفيّ جسده و أصبح أعرج على العكاز
انتقل أشرف بعد فترة من العمارة مع أمه و أخته ، بعد أن فقد كل حيويته التي كانت تحيط به ، كان شيئا مؤسفا رؤيته هكذا 

بعد كل هذه السنين ، أتت لأمي دعوة زفاف من أم هناء "أمنة" ، تفاجأت قليلا فبعد كل هذه السنين من الفرقة ما زلنا على تواصل معهم و لكن سرعان ما تذكرت أشرف الذي اعتقدت أنه سيزوج هناء و سيكونان ثنائي هذا المبنى
تزوجت هناء كما يقولون من رجل غنّي و لا أدري ما جرى لأي منهما
زواجها قضى على أحد خيلاتي الطفولية عن الحب الجميل و التي كانا هناء و أشرف بطلاها و لكن رغم معرفتي بأن كل ما جرى في ذهني قد يكون خطأ إلا أنني أستمتع أحيانا بتخيل حب أشرف و هناء 


Tuesday, 29 October 2013

من الطفولة : ما ظلّ سرا

كانت معلمة الإنجليزي لصف التاسع و كان اسمها سعاد
اسم سعاد ارتبط كثيرا بحياتها و سيرتبط للأبد و الأكيد أن لا علاقة لهذه المعلمة بهذا الإرتباط
استرحتْ لهذه المعلمة الجديدة في السنة المصيرية "سنة الشهادة" و أُعجبت بها فهي كانت معلمة إنجليزي جيدة رغم كل شيء و من القلة الجيدين
مرّت الأيام و هي تدرس في ظل هذه المعلمة التي أثبتت جدارتها في التعليم و في نفس الوقت غرورها و نرجسيتها التي لا أحد يعرف مصدرها
كانت المدرسة التي تدرس فيها هذه الفتاة مختلطة على غير العادة في مدارس بلدها ، و لكن على غير العادة أيضا كان يوجد 4 أو 5 طالبات إناث في كل فصل  من أصل 20 طالبا أو أكثر في الفصل
لم يُمثل هذا مشكلة لا للمعلمات و لا الطلبة و لم يكن ساريا في ذاك الوقت فكرة الإختلاط في ذهونهم على الإطلاق
سرعان ما تغيرت تصرفات المعلمة مع أول امتحان فأحبت المتفوقين و كرهت الراسبين ، استمر هذا طول الفترة الأولى التي ترافق معها كره العديد من الذكور للمعلمة و خصوصا الذين رسبوا فيما سبق و هذه السنة الثانية أو الثالثة لهم في نفس المرحلة
أتي الإمتحان النهائي و تصاعدت معه وتيرة التوتر الذي سرعان ما تحول لمضابقات يتبادلها الطرفين أو كما نقول بالشعبي "تلقيح" ثم أتت العطلة
بعد العطلة و عودتنا للمدارس تم توزيع بطاقات دراجاتنا التي نجح و رسب فيها العديدون و كان معظم الراسبين في الإنجليزي 

و كرَدِّ فعلٍ على الرسوب قام أحد الطلبة ذات يوم برمي ورقة على ظهر المعلمة أثناء كتابتها الدرس ، فالتفتت لتبدأ بالشتم كلمات كانت شائعة "حمار ، كلب ..." ثم فجأة و من دون إنذار طلبت من جميع الإناث الخروج من الفصل و اللواتي كنّ 4 فحسب
خرجت الطالبة مع زميلاتها و وقفن أمام باب الفصل ريثما تنهي المعلمة حديثها و الذي اختارت أن توجهه للذكور فقط
الفضول كهاجس بشري سيطر في هذه اللحظة على ذهن الطالبة التي سرعان ما أرادت أن تعرف ما تقوله المعلمة للطلبة فحسب و التي كونت العديد من النظريات كان أكثرها إقناعا أنها ستقول كلاما للذكور لا ينبغي أن تسمعه أنثى ، شتما من نوع أخر لم يكن شائعا
قضت المعلمة الكثير من الوقت مع الذكور حتى انتهت الحصة و رنّ الجرس ، خرجت المعلمة و لم تتبين الفتاة ملامح وجهها و لكنها سرعان ما رأت ملامح الذكور في الفصل ، ملامح مصدومة و وجوه مُصفرة من الجميع ، ثم سرعان ما بدأ أحد الذكور بالضحك على االمعلمة و التعليق
لم تتبين الفتاة ما قالته أو فعلته المعلمة ذاك اليوم و رغم فضولها الشديد إلا أنها قررت ألا تسأل
حدث موقف أخر مع المعلمة هذه ، فبينما كان أحد الطلبة يضايقها بالكلمات التي لم يوجهها الطلبة إلا لهذه المعلمة ، سألته فجأة : أين تسكن ؟
أجابها الطالب أ،ه يسكن في زاوية الدهماني
فكان رد المعلمة : طبيعي إذا أن تكون شخصا منحرفا "صايع" هذا طبع سكان زاوية الدهماني و ليس مثلنا سكان فشلوم فنحن راقون و متحضرون
دار في ذهن الفتاة شيء واحد : أنا أيضا كنت من سكان زاوية الدهماني و ما تقولينه ليس صحيحا .. و لكنها فضّلت الصمت  فرغم كل شيء كانت هذه المعلمة تحبها و تعاملها جيدا



Monday, 21 October 2013

وجهة نظر : القناعة كنز لا يفنى

يًقال أن القناعة كنز لا يفنى ، لا أعلم من قال هذه المقولة أو أصولها و ليس لديّ فضول لأعلم
كانت العديد من النصائح الموجهة لي تتمثل في هذه الجملة ، بعضهم يحب التكثير من الكلام و لكنه ينتهي بقول هذه الجملة ، و أخرون يقولونها من البداية
في البداية لم أكن أناقش ، فهذه جملة كغيرها من الإقتباسات الشائعة فيها قدر من القداسة الذي عادة ما يوجهها الناس على أي شيء فيه أثر للحكمة
بعد فترة تتكرر الجملة ، و يبدو أنني فشلت في تنفيذها و لكن بالتأكيد دون قصد ، لكن القناعة لم تكن يوما من خصالي و لن تكون
ليس غرورا و لا أنانية _رغم أن أحد خصالي الأنانية_ و لا شيء أخر مشابه لذلك و لكنني ببساطة أرى القناعة كوحش يجب محاربته بدل تقبله كشعور دافع للراحة
عادة عندما يتعالج أي شخص نفسيا من أي مرض عليه أن يخرج من منطقة راحته و يتكلم عمّا يزعجه و يعالجه ، أي أنه بدل الجلوس مختبئا في الظلام عليه أن ينهض و يواجه ضوء النهار المزعج الذي سينهك عينيه بعد كل ذلك الظلام ، و هكذا أرى القناعة كمنطقة الراحة الخاصة بأي إنسان ، و لهذا هو سهل للغاية أن تقول هذه الجملة و تفتخر بأنك قانع بما لديك

هي أحد الجمل التي عادة ما يقتبسها الناس ، و لكن ما يغفل عنه حافظوا هذه الجمل و الذين لم يتكبدوا عناء التفكير فيها قبل تكرارها أن كل هذه الجمل ذات منظور نسبي للشيء ، و أنها أيضا لا تعبر سوى عن رأي شخص واحد قائلها أو كاتبها ، و مهما كان هذا الشخص متعلما و مثقفا فلا أظن أن رأي أحد مقدس عن رأي شخص أخر

رأيي في هذه الجملة نسبي أيضا ، فأنا لا أحاربها و لا أساندها ، بل هي جملة أستخدمها في أحد أيامي التي أتكاسل فيها لأزداد تكاسلا و أستخدمها أحيانا لأرضى بأنني غير موهوبة أو غير قادرة على هذا الشيء أو ذاك ، مثل ما أستخدمها لإدراكي أنني غير قادرة على مهنة التعليم ، فمهما حاولت إقناع نفسي بغير ذلك إلا أن قناعتي أنني غير قادرة على الشرح جيدا تجعلني أقف عندها و لا أفكر في تعليم أحد
أنا استخدمت القناعة بطريقتي و أخرون استخدموها بطرق أخرى لهذا أفضل ألا أكرر هذه الجملة المقتبسة ، بل إنني أفضل ألا أردد العديد من الجمل المقتبسة و إن أردت يوما اقتباس شيء فسيكون شرحا و ليس رأي شخص يحتمل الصحة  أو الخطا ، و لكن هنا مشكلة في حد ذاتها فالرأي لا يحتمل الصحة أو الخطأ معظم الوقت ، بل هو رأي فحسب لا يمكن وضعه في خانة معينة غير خانة الرأي التي تعبر عن أفكار صاحبها و ما توصل له عقله

يمكنني غدا أن أستخدم هذه الجملة على نفسي و لكن أظن أن تأثيرها عليّ أثبت فشله ، ربما أستخدمهاعلى غيري ، فالجملة لها معنين ، المعنى الأول يخاطب العقل بأن يقول له "ارضى بما تملك و ما أنت عليه فأنت حالك أفضل من العديد و تملك منزلا و أكلا و شرابا" هذا المعنى الذي أرفضه ، صحيح أنك تملك كل شيء و ما تحتاجه و لكن ماذا عن إمكانياتك ؟ 
معظمنا لديه إمكانيات لعيش حياة أفضل و صنع شيء أكبر من نفسه و لكن هذه الجملة دائما ما تعيقه

أما الثاني فهو كما ذكرت سابقا عبارة عن نظرة موضوعية لنفسك بأن تدرك أنك إنسان لا يمكنك أن تملك كل شيء ، ولست موهوبا بكل شيء و أن قدراتك أكبر مما تعتقد و لكن ليس في كل مجال فحسب و هما يأتي دورك لإكتشافها

ليست قضية تنمية بشرية و كل السابق مجرد رأي لي ، كما هذه الجملة رأي صاحبها الذي قد يكون مزارعا لديه موهبة الغناء و لكنه ظلّ مزارعا و استخدم هذه الجملة ليقنع نفسه بخياره
أو محكوما بالسجن فرّ زملاؤه من السجن و هو رفض الهرب ، نجح زملاؤه و هو بقي يواسي نفسه بهذه الجملة



Tuesday, 8 October 2013

حلقة من الدمار

يُقدر للضحية أن تصبح جلّادا ، هكذا هي الدنيا تحولنا من ضحايا لجلّادين و لكننا نبقى محتفظين بمظهر الضحية ، ربما هو شيء لا يمكن التخلي عنه ، وربما من كان ضحية يوما سيبقى ضحية دائما في نظر نفسه مهما فعل
ربما هي حلقة الجلّاد و الضحية ، فأنت حتى مرحلة ما من عمرك تكون إنسانا لست بضحية أو جلاد ، ثم في مرحلة أخرى تصبح ضحية و بعدها تصبح جلّادا بمظهر الضحية
أسوء ما يمكن أن تفعله تجاه نفسك هو الشعور بالشفقة ، فأنت لست بضحية و مهما حدث لست ضحية ، أنت لست مَدعاة للشفقة أيضا أنت ببساطة تعرضت لموقف سيء لا غير ، و فقط لأنك تعرضت للسوء لا يعني أنك مخول لفعله
هذا ما يحدث في مجتمعي ، فنحن على نحو ما ضحية ، و لكننا جلّادون أكثر منه ضحايا و لكننا لا زلنا غير قادرين على الإعتراف أننا ببساطة فشلنا في الإستمرار و توقفنا عند نقطة الضحية و احتفظنا بغضبنا لنصبح جلّادين
كان هذا ما جرى مع القذافي و هذا ما يجري مع مصراتة و هذا ما يجري مع معظم الليبيين ، هذا ما جرى مع اليهود بعد ما فعله بهم هتلر و هذا ما جرى مع أمريكا بعد  الحادي عشر من سبتمبر

ربما الأمر يحتاج إلى نضج لندرك أننا لم نعد ضحايا ، ربما نحتاج لنقف عند اللحظة التي تنتهي فيها إنسانيتنا
و لكن في المرة القادمة قبل أن تجعل غضبك يوجهك تخيل ، تخيل فقط ملايين الأشخصا مثلك يوجههم شعور كشعورك ، رغبة الدمار لكل من حولهم ، عدم مراعاة غيرهم ، مقتنعين أنهم ضحايا و أنه تم سلب حقوقهم و تخيل أن الحلقة ستبدأ من جديد مع أشخاص جدد ، ثم تخيل مجتمعا كاملا تقوده هذه الحلقة ، و سيكون هذا هو المجتمع الليبي

إنه ببساطة مجتمع الدمار الذاتي